المرصد يصدر دراسة بعنوان "المحددات الاجتماعية لصحة الأطفال في فلسطين"

05, Jan 2026

المرصد يصدر دراسة بعنوان "المحددات الاجتماعية لصحة الأطفال في فلسطين"

 

أصدر مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية (المرصد) دراسة حول المحددات الاجتماعية لصحة الأطفال في فلسطين، تناولت الدراسة المحددات الاجتماعية لصحة الأطفال في فلسطين من منظور بنيوي، يربط بين الاحتلال الإسرائيلي، وعدم المساواة الاقتصادية والمكانية، وتدهور السياسات الاجتماعية، وبين المؤشرات الصحية الجسدية والنفسية للأطفال. وتنطلق الدراسة من تعريف منظمة الصحة العالمية للمحددات الاجتماعية للصحة، مع توظيف مقاربات نقدية مثل مفهوم "المحيط الحيوي للحرب"، لفهم كيفية إدارة شروط الحياة والبقاء لدى الأطفال الفلسطينيين، لا سيما في سياق الإبادة الجماعية في قطاع غزة والتصعيد المستمر في الضفة الغربية.

اعتمدت الدراسة على تحليل متعددة المستويات يتمثل المستوى الأول  بالمحددات البنيوية لصحة الأطفال في فلسطين، وهي: الاحتلال، وعدم المساواة الاقتصادية والمكانية، والتغير البيئي والمناخي، أما المحور الثاني فيتمثل بالمسارات الوسيطة التي يُمارِس من خلالها العامل البنيوي تأثيره على صحة الأطفال، مثل التجزئة الجغرافية، تدهور ظروف المعيشة، محدودية الوصول للخدمات، نقص الحماية الاجتماعية، وتآكل البنية التحتية الصحية. وفي إطار كل مسار وسيط، تم توظيف مجموعة من المؤشرات الكمية والنوعية لقياس كيفية انعكاسه على صحة الأطفال ورفاههم، بما يشمل معدلات الوفيات والإصابات، سوء التغذية، الإعاقة الجسدية والنفسية، الوصول للرعاية الصحية، فرص التعليم، والأمن الغذائي والسكني.

خلصت الدراسة إلى أن ما يواجهه الأطفال في فلسطين يمثل أزمة صحة عامة بنيوية ومركبة، تتجاوز منطق الاستجابة الإنسانية الطارئة، وتتطلب تدخلات شاملة  تعالج الأسباب الجذرية للصحة، وعلى رأسها الاحتلال، وتعيد بناء منظومات الحماية الاجتماعية والصحية والتعليمية، مع إعطاء أولوية خاصة للأطفال بوصفهم الفئة الأكثر هشاشة وتأثراً بتراكم الصدمات.

تركز الدراسة على الإبادة الجماعية في قطاع غزة كحدث يوضح كيف يكون الاحتلال محدداً بنيوياً للصحة في فلسطين ، إذ أدّت الإبادة الجماعية في قطاع غزة إلى انهيار شامل للمحددات الاجتماعية للصحة، عبر تفكيك منظومات الحياة اليومية التي تشكّل الأساس المادي والاجتماعي لصحة الأطفال. فالتدمير الواسع للسكن، والتهجير القسري، وفقدان الأمن الغذائي والمائي، وانهيار شبكات التعليم والحماية الاجتماعية، لم تكن نتائج جانبية للحرب، بل مسارات بنيوية متعمدة أعادت تشكيل البيئة المعيشية للأطفال بوصفها بيئة غير قابلة للحياة. وفي هذا السياق، لم يعد الفقر أو سوء التغذية أو انعدام الوصول إلى الخدمات ظواهر منفصلة، بل تحوّلت إلى حالة مركّبة ومتداخلة، تُنتج أنماطًا جديدة من المرض والهشاشة، وتُقصي الأطفال عن شروط النمو الصحي الآمن.

يتجلّى انهيار المحددات الاجتماعية للصحة بشكل أكثر حدة في تفكك العلاقة بين الفرد ومنظومة الحماية الاجتماعية التي يفترض أن تحميه، حيث فقد النظام الصحي والتعليمي والاجتماعي قدرته الوظيفية، ولم يعد قادر على لعب دوره كوسيط للتقليل من آثار العنف البنيوي. وقد أدى هذا الانهيار إلى نقل عبء الصحة من المجال العام إلى الأسرة المنهكة أساساً، في ظل فقدان الدخل، والنزوح، والصدمات المتراكمة، ما عمّق التفاوتات الصحية داخل المجتمع نفسه. وبهذا المعنى، لا تُنتج الإبادة الجماعية فقط وفيات وإصابات مباشرة، بل تُعيد تنظيم المحددات الاجتماعية للصحة بطريقة تجعل المرض وسوء التغذية والاضطرابات النفسية كسمات بنيوية للحياة اليومية، وتؤسس لفجوات صحية طويلة الأمد سترافق الأطفال الناجين عبر مراحل حياتهم.