غياب العدالة في قانون الضمان الاجتماعي ملاحظات المرصد الكاملة على القانون

ملاحظات مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية (المرصد)


مقدمة:
وقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في السابع من اّذار 2016 على قرار بقانون رقم (06) للعام 2016 بشأن الضمان الاجتماعي، وذلك بتنسيب من مجلس الوزراء الفلسطيني الذي صادق على مسودة مشروع القرار بقانون قبل ذلك بأسابيع قليلة. وبالرغم من العديد من الملاحظات النقدية حول مسودة مشروع القرار بقانون الضمان الاجتماعي إلا أنه جرى تجاهل معظم الملاحظات التي صدرت عن المؤسسات والأطر النقابية المختلفة، وعلى العكس من ذلك، فقد أُجريت تعديلات على مشروع القرار بقانون أدخلت بعض المواد وشطبت بعضها الآخر مما جعل من القرار بقانون الذي وقعه الرئيس أسوأ من المشروع الذي كان منسباً له، وذلك بالرغم أيضاً من طلب أعضاء المجلس التشريعي من الرئيس عباس عدم توقيع مشروع القرار بقانون ونشره. وعليه، فقد نشر ديوان الفتوى والتشريع القرار بقانون الضمان الاجتماعي في العدد الممتاز رقم (11) من الوقائع الفلسطينيّة (الجريدة الرسميّة).

التالي، أهم الملاحظات النقدية على قرار بقانون الضمان الاجتماعي:

أولاً: غياب الدولة كضامن للقانون ولأموال المساهمين

مسودة مشروع القرار بقانون الضمان الاجتماعي التي اعتمدها الفريق الوطني للضمان الاجتماعي وقدمها لمجلس الوزراء الفلسطيني لنقاشها، أوردت في نص المادة الثانية على أن الدولة هي الضامن للقرار بقانون، وقد جاء نص المادة على النحو التالي:
المادة رقم (2) قبل التوقيع من قبل الرئيس الفلسطيني
“يهدف هذا القرار بقانون إلى توفير منافع التأمينات الاجتماعية المنصوص عليها في هذا القرار بقانون للمؤمن عليهم وعائلاتهم، بالاعتماد على مبادئ الإنصاف والاستدامة والشفافية والكفاءة، على أن تكون الدولة الضامن النهائي لتطبيق أحكام القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه.”

إلا أن القرار بقانون الصادر عن الرئيس محمود عباس قد أسقط ضمانة الدولة من نص المادة الثانية، حيث جاءت على النحو التالي:
المادة رقم (2) بعد توقيع الرئيس
“يهدف هذا القرار بقانون إلى توفير منافع التأمينات الاجتماعية للمؤمن عليهم وعائلاتهم بالاعتماد على مبادئ الإنصاف، الاستدامة، والشفافية والكفاءة.”

وإضافة إلى تخلي الدولة عن مسؤولياتها والتزاماتها على صعيد تنفيذ القانون، تخلت كذلك عن دورها كضامن نهائي لنظام الضمان الاجتماعي، وبالتالي أصبحت أموال المساهمين في صندوق الضمان الاجتماعي بلا ضامن، حيث لا ينص القرار بقانون صراحة على المسؤولية العامة للدولة، بالتالي يتحمل المشتركون وحدهم خسارة تلك الصناديق، والتي ممكن أن تحدث لأسباب عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر: الفساد، أو نتيجة لقرارات استثمارية خاطئة. وحسب ملاحظات منظمة العمل الدولية على مشروع التقاعد غير الحكومي، يجب أن تكون الدولة الضامن النهائي لدفع المنافع المنصوص عليها.
بينما النصوص الاخرى الواردة في القانون والتي تم التعامل معها على أنها تشكل ضامن مثل المادة (49 بند 5)، جاءت على النحو التالي:
المادة رقم (49)

الموارد المالية
تتكون الموارد المالية المتعلقة بتمويل تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين مما يلي:

5. القروض أو المنح التي توافق الحكومة على تقديمها في حالة عجز المؤسسة.

المادة المذكورة أعلاه لا تشير صراحة الى ضمان أموال المساهمين، وهي مشروطة بعجز المؤسسة وموافقة الحكومة المسبقة. كما لا يمكن اعتبار نص المادة (19) “أن رئيس وأعضاء المجلس مسؤولون مسؤولية فردية وتضامنية عن أي قرار يتخذ بسوء نية ويتعارض مع مسؤولياتهم وفقاً لأحكام هذا القرار بقانون”، بأنه يشكل ضمانة، ولا يمكن القول أن هذه المادة ستعيد أموال المساهمين في حالة خسارتها.

ثانياً: نسب الاشتراكات غير العادلة (مساهمات العمال مقابل أرباب العمل)

إقرار نسب الاشتراكات حسب المادة (49 الفقرتين 1، 2) بمعدل 16%، يدفع العامل منها 7.5% بينما يدفع المشغل 8.5% من أجر العامل المؤمن عليه، هي نسب غير عادلة، وأحياناً هي أقل مما يدفعه أرباب العمل حالياً، وهي نسب مساهمة تعتبر الأقل مقارنة بالعديد من دول الجوار، حيث تبلغ مساهمة أرباب العمل على سبيل المثال في الأردن 13.3% وفي لبنان 21.5% وفي تونس 16.6%.
التوصية: أن تحتسب نسبة المساهمة ثلث على العاملين وثلثين على أصحاب العمل.

ثالثاً: معامل احتساب الراتب التقاعدي (عدم ضمان حصول المساهمين على راتب تقاعدي لائق)
يعتبر معامل احتساب الراتب التقاعدي البالغ 1.7% الوارد في المادة (52) أدناه أقل مما هو موجود في نظام التقاعد الحكومي العام والذي يعطي المساهمين معامل احتساب 2%.

المادة (52) احتساب الراتب التقاعدي

“1. يحتسب الراتب التقاعدي الإلزامي للمؤمن عليه الذي استحق الراتب وفقاً لأحكام الفقرة (1) من المادة (51) من هذا القرار بقانون بواقع (2%) عن كل سنة من سنوات الاشتراك مضروباً في المبلغ المساوي للحد الأدنى للأجور، و(1.7%) عن كل سنة من سنوات الاشتراك مضروباً في المبلغ المتبقي والذي يزيد عن الحد الأدنى للأجور، وذلك من متوسط الأجر الشهري المرجح لآخر ثلاث سنوات التي تم تسديد فيها الاشتراكات قبل التقاعد الخاضع للحد الأقصى المحدد للأجر المحدد في البند (أ) من الفقرة (1) من المادة (43) من هذا القرار بقانون.
2. يحتسب راتب التقاعد المبكر للمؤمن عليه الذي استحق الراتب وفقاً لأحكام الفقرة (2) من المادة (51) من هذا القرار بقانون بواقع (2%) عن كل سنة من سنوات الاشتراك مضروباً في المبلغ المساوي للحد الأدنى للأجور، و(1.7%) عن كل سنة من سنوات الاشتراك مضروباً في المبلغ المتبقي والذي يزيد عن الحد الأدنى للأجور، وذلك من متوسط الأجر الشهري المرجح لآخر ثلاث سنوات التي تم تسديد فيها الاشتراكات قبل التقاعد الخاضع للحد الأقصى للأجر المحدد في البند (أ) من الفقرة (1) من المادة (43) من هذا القرار بقانون، ومخصوماً منه ولمدى الحياة ما نسبته (6%) عن كل سنة من سنوات التقاعد حتى بلوغ سن الستين.”

المثال أدناه: يوضح نسبة الراتب التقاعدي الذي من الممكن أن يحصل عليه موظف بعد مرور 30 عاماً أو بعد تسديده اشتراكات لمدة 15 عاماً:
الراتب الشهري (بالشيكل) معادلة احتساب راتب الضمان الاجتماعي المجموع (بالشيكل)
(1) – في حال 30 عام
3,000 1,450 شيكل*2%*30 سنة = 870 شيكل
1,550 شيكل*1.7%*30 سنة = 790 شيكل 1660 شيكل
(2) – في حال 15 عام
3,000 1,450 شيكل*2%*15 عام = 435 شيكل
1,550 شيكل*1.7%*15 عام = 395 شيكل 830 شيكل

وعليه، فإن الفئة التي ستكون أكثر تضرراً عند حصولها على الراتب التقاعدي هم المساهمين الذين سيلتحقون في النظام في سن متأخر نسبياً، والفئات من ذوي الدخل المتدني. وإذا ما قورنت تلك المعادلة مع قانون هيئة التقاعد العام رقم (5) لعام 2007، الذي يفرض معامل احتساب الراتب التقاعدي بـ 2%، إضافةً إلى المنحة العائلية، ومنحة الأفراد المعالين.

رابعاً: الحد الادنى لراتب التقاعد: ستشمل فئة من العاملين لن ينصفها القرار بقانون الضمان الاجتماعي

المادة (53) الحد الأدنى لراتب التقاعد
يجب أن لا يقل راتب التقاعد الإلزامي للمؤمن عليه المستحق لراتب التقاعد وفقاً لأحكام الفقرة (1) من المادة (51) من هذا القرار بقانون، عن (50%) من الحد الأدنى للأجر، أو قيمة خط الفقر الفردي أيهما أعلى.

الحد الأدنى لراتب التقاعد لا يؤمن بأي حال من الأحوال راتباً تقاعدياً لائقاً وكافياً يحفظ كرامة العامل وأسرته، حيث أن الحد الأدنى للأجور يقدر بـ(1450 شيقلاً)، وبالتالي يدور الحديث هنا عن راتب تقاعدي يبلغ (725 شيقلاً) وهو بالكاد يكفي لسداد فواتير الكهرباء والماء والهاتف.
كان على معدي قرار بقانون الضمان الاجتماعي انصاف هذه الفئة من العاملين والتي لا يتعدى دخلها الحد الأدنى للأجر براتب تقاعدي بنسبة أعلى، والمقصود هنا أن لا يقل الراتب التقاعدي لهذه الفئة عن 100% من الحد الادنى للأجر (أي أن لا يقل الراتب التقاعدي لهذه الفئة عن الحد الأدنى للأجور). كما أن الرهان على تغيرات جدية في الحد الأدنى للأجر غير واقعي في الظروف المحلية، حيث من الممكن أن يصبح الضغط متزايداً على معدلات الأجور إذا ما تعرض الاقتصاد الفلسطيني لمزيد من التضييق. وعلى سبيل المثال لا الحصر، خُفض الحد الأدنى للأجور في اليونان بنسبة (22%) إثر الأزمة الاقتصادية التي مرت بها، وجاء هذا الإجراء أحد الشروط التي فرضتها الجهات الدائنة الدولية على اليونان مقابل صرف الأموال المخصصة لإنقاذ اقتصادها.

 (137,800) عامل وعاملة ما دون الحد الادنى للأجر، بمعدل أجر شهري قدره 756 شيكلاً لا يشملهم الضمان :
يتقاضى ما يقارب الـ 38.6% من المستخدمين بأجر في القطاع الخاص أجراً شهرياً أقل من الحد الأدنى للأجر المقدر بـ (1,450 شيقلاً) في فلسطين، ويتقاضى ما يقارب 21.6% من المستخدمين بأجر في القطاع الخاص في الضفة الغربية أجراً شهرياً أقل من الحد الأدنى للأجر أي ما يقارب الـ 49,100 مستخدم بأجر وبمعدل أجر شهري قدره 1,047 شيقلاً. أما في قطاع غزة، فقد بلغت نسبة المستخدمين بأجر في القطاع الخاص الذين يتقاضون أجراً شهرياً أقل من الحد الأدنى للأجر 68.2%، أي ما يقارب الـ 88,700 مستخدم بأجر وبمعدل أجر شهري قدره 756 شيقلاً. هؤلاء العاملين لن يكون بمقدورهم الانتساب لمؤسسة الضمان الاجتماعي مستقبلاً.

التوصية: وضع اطار زمني وآليات واضحة لتطبيق قانون الحد الادنى للأجور.

خامساً: تغيب دور وزارة العمل الرقابي على عمل مؤسسة الضمان الاجتماعي

صادق مجلس الوزراء الفلسطيني على مسودة مشروع القرار بقانون الضمان الاجتماعي بعد دراسته، ونسَّبه للرئيس، وكانت تنص المادة (11 فقرة 3) على أن:
المادة (11)
إنشاء مؤسسة الضمان الاجتماعي
3. تكون وزارة العمل الجهة الحكومية المختصة لضمان قيام المؤسسة بتنفيذ أحكام هذا القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه.

إلا أن القرار بقانون المنشور في الجريدة الرسمية “الوقائع الفلسطينية” قد أسقط هذا البند من المادة (11) أيضاً، وهي المادة التي اُتفق عليها من قبل أطراف الفريق الوطني للضمان الاجتماعي المكلف بصياغته. وإثر ذلك، اقتصر القرار بقانون دور وزارة العمل بتلقي بلاغات إصابات العمل ولا يعرف من هو المسؤول عن تحجيم دور وزارة العمل للحد الذي جعل دورها مشابه لدور مركز الشرطة. إضافة إلى أن المسودات قبل الأخيرة أوردت وزير العمل الفلسطيني كرئيس لمؤسسة الضمان الاجتماعي، لكن جرى إزاحة الوزير واستبداله بشخصية عامة تتسم بالمهنية والاستقلالية، وهذا يأتي في إطار تخلي الحكومة الفلسطينية ووزارة العمل عن كونها ضامن لتطبيق أحكام قانون الضمان الاجتماعي.

سادساً: تدخل الحكومة الإيجابي في الموارد المالية لصندوق الضمان الاجتماعي

مسودة مشروع القرار بقانون الضمان الاجتماعي الذي نسبته الحكومة الفلسطينية للرئيس، اعطى للحكومة دوراً ايجابياً للتدخل لصالح مؤسسة الضمان الاجتماعي سواء من خلال تقديم الهبات لدعم المؤسسة لتحسين أدائها خلال عملها الطبيعي، وهو عمل واجب مفروض على الحكومة في مسودة مشروع القرار بقانون، أو القروض في حالة تعثرها أو عجزها، فقد جاء في نص المادة (49 فقرة 5) من مسودة المشروع على ما يلي:
مادة (49)
الموارد المالية
تتكون الموارد المالية المتعلقة بتمويل تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين مما يلي:

5. القروض أو الهبات التي تقدمها الحكومة.

إلا أن القرار بقانون المنشور في الجريدة الرسمية قد ذكر في نص المادة (49 فقرة 5) على ما يلي:
مادة (49)
الموارد المالية
تتكون الموارد المالية المتعلقة بتمويل تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين مما يلي:
5. القروض أو المنح التي توافق الحكومة على تقديمها في حال عجز المؤسسة.

وعليه، فقد اقتصر القرار بقانون الضمان الاجتماعي تدخل الحكومة في حالة عجزها فقط، واشترط موافقتها المسبقة للتدخل، وبالتالي بإمكان الحكومة بحسب القرار بقانون الاعتذار عن التدخل في حال عجزت مؤسسة الضمان الاجتماعي لاعتباراتها الخاصة، أو ببساطة رفض التدخل في حال عجز المؤسسة لعدم اطلاعها المسبق على عمل المؤسسة كون الحكومة غير ضامن وغير مشرف على عمل المؤسسة من الأساس. وقد أكد القرار بقانون على تدخل الحكومة في حالة عجز المؤسسة في أربعة مواد وهي: المادة (17 بند 1 فقرة و)، والمادة (45) المذكورة أعلاه، والمادة (74 بند 4)، والمادة (90 بند 5).

سابعاً: إجازة الامومة

تطرقت المادة (91) من القرار بقانون الضمان الاجتماعي إلى إجازة الأمومة للنساء العاملات في القطاع الخاص، ورغم أهمية وإيجابية تبني مؤسسة الضمان الاجتماعي لإجازة الأمومة، ورفعها عن كاهل صاحب العمل، مما سينعكس ايجاباً على عمل النساء في القطاع الخاص، إلا أن ربط الانتفاع بهذه الاجازة للنساء العاملات بتسديد اشتراكات “ستة أشهر خلال السنة السابقة لإجازة الأمومة”، وليس منذ تاريخ انضمامها لمؤسسة الضمان الاجتماعي، وذلك رغم أن موارد تمويلها تتكون من اشتراكات صاحب العمل الشهرية بنسبة (0.3%) من أجور المؤمن عليهم ذكوراً وإناث، واشتراكات العمال كافة، ذكوراً وإناث أيضاً، بنسبة (0.2%)، أي ما نسبته (0.5%) من أجر العمال، ذكوراً وإناث، وعلى مختلف مدخولاتهم، يجعل من تلك المنفعة مجحفة بحق النساء العاملات برغم أن معدلاتهم السنوية بحسب الدراسة تقدر بـ 1200 عاملة سنوياً.
مادة (91)
إجازة الأمومة
يحق للمؤمن عليها الحصول على إجازة أمومة لمدة اثني عشر أسبوعاً وفقاً لأحكام هذا القرار بقانون، بناءً على تقرير المرجع الطبي الذي يحدد التاريخ المتوقع لولادة المؤمن عليها، شريطة أن تكون مسددة لاشتراكات ستة أشهر خلال السنة السابقة لإجازة الأمومة.

ثامناً: استحقاق راتب الوفاة الطبيعية (مخالفة مبدأ التكافل والتضامن)

مادة (65)
شرط استحقاق راتب الوفاة الطبيعية
يحق لورثة المؤمن عليه الحصول على راتب الوفاة الطبيعية في إحدى الحالات الآتية:
1. إذا حدثت الوفاة له خلال فترة التأمين، شريطة أن يكون لديه ما لا يقل عن (24) اشتراكاً شهريا وفقاً لأحكام هذا القرار بقانون.

وفقاً للمادة المذكورة أعلاه، فإن ورثة العامل المتوفي المؤمن لن يحصلوا على راتب الوفاة الطبيعية إن لم يكن العامل قد سدد (24) اشتراكاً شهرياً، وهو ما ينفي مبدأ التضامن والتكافل الاجتماعي، وهو جوهر مبدأ الضمان الاجتماعي. وبمقارنة القرار بقانون الضمان الاجتماعي مع قانون التقاعد العام للموظفين الحكوميين، فإن ورثة الموظف الحكومي يستحقون راتب الوفاة الطبيعية منذ لحظة انضمامه إلى هيئة التقاعد العام. هذا عدا أنه وفقاً للدراسة الاكتوارية فإن المجتمع الفلسطيني مجتمع شاب الوفيات بينهم تشكل حوادث استثنائية، وهم من سينضمون إلى مؤسسة الضمان منذ تشكيلها.

تاسعاً: الغاء نظام تقاعد الشيخوخة التكميلي المثير للجدل

أقحم الفريق الوطني للضمان الاجتماعي نظام تقاعد الشيخوخة التكميلي (النظام التكميلي) في مسودة مشروع القرار بقانون الضمان الاجتماعي، وقد اعتبره المختصون آنذاك نظاماً مريباً كونه يتضمن صندوقاً مالياً منفصلاً بإدارة منفصلة عن إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي ينظمه نظام يصدر لاحقاً عن مجلس الوزراء الفلسطيني، على اعتبار أن إدارة أي أموال للعاملين يجب أن تنظم بقانون واضح المواد، لا أن تُدار من قبل جهة مجهولة. وبعد أن صادق مجلس الوزراء على مسودة مشروع القانون بنظامه التكميلي المريب، جرى تعديل مواد في القرار بقانون الموقع من قبل الرئيس، متعلقة بهذا النظام لتضم أموالاً إضافية من مستحقات العاملين لدى مشغليهم وفقاً لأنظمة خاصة تشكل امتيازاً عن ما هو وارد في قانون العمل.
1) إدارة النظام التكميلي:
مادة (10)
إنشاء نظام تقاعد شيخوخة تكميلي
ينشأ نظام تقاعد شيخوخة تكميلي يعتمد على نظام المساهمات المحددة، ويتم تنظيمه بموجب نظام يصدر عن مجلس الوزراء، وفقاً للأسس التالية:
6. يدار نظام تقاعد الشيخوخة التكميلي من قبل إدارة مستقلة وصندوق مستقل، ويجب أن يكون منفصل عن صندوق التأمينات الاجتماعية المنشأة بموجب المادة (16) من هذا القرار بقانون.

2) أموال النظام التكميلي:
مادة (116)
استبدال مكافأة نهاية الخدمة والحفاظ على الحقوق المكتسبة
2. يحتفظ المؤمن عليه بالحقوق المكتسبة وفق أي أنظمة أو ترتيبات أو اتفاقيات جماعية خاصة بمكافآت نهاية الخدمة إذا كانت تلك الأنظمة أو الترتيبات أو الاتفاقيات تقدم له مكافأة نهاية خدمة أعلى من مكافأة نهاية الخدمة المقررة بمقتضى قانون العمل المعمول به، وفي هذه الحالة يحول صاحب العمل الفروق بين مكافأة نهاية الخدمة المقررة في قانون العمل المعمول به ومكافأة نهاية الخدمة الأعلى إلى حساب العامل المؤمن عليه في نظام تقاعد الشيخوخة التكميلي سنوياً.
4. تبقى سارية المفعول جميع الأنظمة أو الترتيبات أو الاتفاقيات المتعلقة بصناديق الادخار، وحسابات التوفير، والتأمين الصحي للمؤمن عليه والصادرة قبل نفاذ أحكام هذا القرار بقانون على أن تنتقل إدارتها إلى نظام تقاعد الشيخوخة التكميلي.

وعلى الرغم من عدم وضوح النظام التكميلي، اعطى قرار بقانون الضمان الاجتماعي الحق لإدارة الصندوق التكميلي بإدارة مستحقات العمال داخل الخط الأخضر، حسابات التوفير والادخار والتأمين الصحي، وهذا ما أحدث ارباكاً في الشارع الفلسطيني، كما لا يعرف الكيفية التي ستدار بها التأمينات الصحية وما علاقة النظام التكميلي بالأشخاص المؤمن عليهم في التأمين الصحي وشركات التأمين واصحاب العمل.

عاشراً: المحكمة المختصة

أنشأ القرار بقانون الضمان الاجتماعي محكمةً مختصةً للنظر في نزاعات الضمان الاجتماعي، بقوة نص المادة (110). ورغم أن سبق ذكر تلك المحكمة في المادة الأولى (التعاريف والأهداف)، إلا أن القرار بقانون لم يتجاوز تعريفها بكلمة إضافية أو حتى تحديد شكلها، عدد قضاتها، آلية انعقادها، قراراتها، آلية استئناف قرارتها، مما جعل من إمكانية تطبيق هذه المادة وإنشاء تلك المحكمة ضرباً من ضروب المستحيل، مما يجعل من الضروري لاحقاً تعديل القرار بقانون لتفصيل تلك المحكمة عند نشوء أول نزاع في الضمان الاجتماعي.
مادة (110)
المحكمة المختصة
ينشأ بموجب أحكام هذا القرار بقانون محكمة مختصة تختص بالنظر في نزاعات الضمان الاجتماعي.

حادي عشر: غياب الاستراتيجية الوطنية للضمان الاجتماعي لتطبيق المنافع الواردة في القانون
جاءت المادة (3) من القرار بقانون الضمان الاجتماعي لتحدد التأمينات الاجتماعية التي سينتفع منها العامل، والتي كانت على النحو التالي:
مادة (3)
نطاق التطبيق
1. يشمل هذا القرار بقانون التأمينات الاجتماعية الآتية:
أ. تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعيين.
ب. تأمين إصابات العمل.
ج. تأمين الأمومة.
د. تأمين المرض.
ه. التأمين الصحي.
و. تأمين البطالة.
ز. تأمين التعويضات العائلية.
3. تطبق التأمينات الواردة في البنود (د، ه، و، ز) من الفقرة (1) من هذه المادة تدريجياً وعلى مراحل لاحقة بموجب أنظمة تصدر عن مجلس الوزراء.

ورغم أن المادة ذاتها في بند (3) قد أحال أربعة منافع أساسية إلى التطبيق التدريجي، إلا أن الفريق الوطني للضمان الاجتماعي المُعد لمشروع القرار بقانون، أو حتى مجلس الوزراء الذي صادق على مسودته ونسبها للرئيس، لم يقدما رؤية شاملة أو خطة استراتيجية لانتفاع العامل من كامل التأمينات الواردة في القرار بقانون، وبحد أدنى، لم يعرض أي منهما نتائج الدراسة الاكتوارية في هذا الشأن، وبالتالي بقيت تلك المنافع مجهولة للعمال في حسابات العدم. هذا عدا عن إحالة تلك المنافع إلى أنظمة تصدر عن مجلس الوزراء لا إلى إضافة تعديلات على القرار بقانون الضمان الاجتماعي لتكتسب القوة القانونية في استحقاقها وتنفيذها، مما أنزل الشك في نفوس المستفيدين من إمكانية تطبيقها، خاصة وأنه كان بالإمكان إدراج بعض المنافع كالتعطل عن العمل (البطالة) للمساهمين في مؤسسة الضمان، وهي منفعة بالإمكان الاستفادة منها لفترة محددة، خاصة فئة العاملين الذين يعملون في بيئة عمل غير مستقرة.

ثاني عشر: أتعاب نهاية الخدمة (برميل البارود)

مادة (116)
استبدال نهاية الخدمة والحفاظ على الحقوق المكتسبة
1. باستثناء ما نص عليه بصراحة في هذا القانون:
ب. يلتزم صاحب العمل بأداء مكافأة نهاية الخدمة وأي حقوق أخرى مستحقة بمقتضى أي قانون أو نظام أو اتفاق للعاملين لديه عن الفترات السابقة لنفاذ أحكام هذا القرار بقانون، في أي وقت وفقاً لاتفاق تسوية بين المؤمن عليه ودون إجحاف أو تغيير في شروط العقد.

هذه الفقرة من المادة (116) شكلت قلقاً كبيراً لدى جميع العاملين وتوتراً غير مسبوق، خاصة أنها جعلت تسوية نهاية الخدمة الخاصة بالعاملين قبل نفاذ القرار بقانون وفق تسويات خاصة ما بين العاملين وأصحاب العمل، وكأن القرار بقانون الضمان الاجتماعي قد تخلى عنهم وتركهم فرادى في مواجهة مشغليهم للحصول على مستحقاتهم. هذا عدا عن أن قانون العمل الفلسطيني يمنح العامل 1/3 شهر عن كل سنة إذا امضى العامل أقل من 5 سنوات، و2/3 شهر عن كل سنة إذا امضى العمل ما بين 5-10 سنوات، وشهر كامل عن كل سنة إذا امضى العامل أكثر من 10 سنوات، وفي حال تطبيق القرار بقانون ستجري تسوية مستحقات الموظف، وفي هذه الحالة فإن الموظف ممن أمضى 9 سنوات أو 9 سنوات ونصف سيحصل على نهاية خدمة بمقدار ثلثي شهر عن كل سنة، وبهذا سيخسر ثلث من نهاية خدمته، علماً بأنه لم يتقدم باستقالته، ومن امضى أربع سنوات سيحصل على ثلث شهر وسيخسر ثلثي نهاية خدمته، وهذا ظلم واجحاف بحق هؤلاء الموظفين.

ثالث عشر: التوجه الى هيئة التقاعد العام:

إن منح منافع أقل في الضمان الاجتماعي عن تلك الموجودة في التقاعد الحكومي دفع وسيدفع العديد من العاملين في الشركات الخاصة والجمعيات الخيرية إلى الالتحاق بنظام التقاعد الحكومي، وهذا ليس افتراضاً، حيث دخلت جمعيات ومؤسسات كالهلال الأحمر وموظفي مصلحة المياه وبعض الجامعات الفلسطينية في مفاوضات للاندماج في هيئة التقاعد العام، هذا إضافة إلى بعض الجامعات والبلديات. مما سيضعف مستقبلا الضمان الاجتماعي ويخفض من أعداد المنتسبين إليه، وستزداد هذه المشكلة إذا ما قرر أيضا 5 الآف موظفة وموظف من العاملين في قطاع البنوك من الالتحاق بالتقاعد العام، وهذا يعزز الاعتقاد الذي تحدث عنه الكثيرون أن قانون الضمان الاجتماعي ليس من أجل التطبيق.

رابع عشر: الورثة المستحقون وتعزيز الدور النمطي للمرأة

ما الفرق بين راتب الزوج والزوجة باعتبارهما يعملان بنفس الشروط والتحقا بالعمل بنفس شروط التعيين وضمن نفس المؤهل التعليمي؟ تناولت المادة ” 66 “من القرار بقانون موضوع الورثة المستحقون للراتب التقاعدي عند وفاة الشخص، وتم استثناء زوج المشتركة إذا كان عند وفاتها عاجز عن تحصيل دخل لأسباب صحية، ويقوم المرجع الطبي بتحديد ما اذا كان الوضع الصحي يمنعه من العمل أو لا يمنعه، في حين ان هذا القانون لم يميز بين العاملين من حيث الجنس في الواجبات والاستحقاقات المالية المحسومة من الراتب وأنه يتم اقتطاع جزء من راتب الموظفة لغايات التقاعد فمن حق ورثتها الشرعيين الاستفادة من راتبها التقاعدي دون قيد أو شرط.
اما في قضية حرمان المرأة لحقوقها الموروثة تبعا لحالتها الزواجية فقد تحدثت المادة رقم (71) الفقرة الثانية “وقف صرف راتب الوفاة الطبيعية للأرملة والبنت غير المتزوجة في حالة الزواج”. أي انه في هذه الحالة تم التمييز ما بين الاولاد الذكور والاناث مما يعزز من الصورة النمطية التقليدية، وان المرأة دائما هي “المعالة ” على الرغم من الاهمية الاقتصادية والاجتماعية للرعاية الاسرية والاجتماعية الذي تقوم به. حيث تتحمل المرأة العبء الاكبر في الرعاية الاسرية، غير ان عملها غير مرئي وغير حقيقي ولا مقدر اقتصاديا ولا احصائياً. ورغم هذا الدور الحيوي والثلاثي الابعاد الذي تقوم به المرأة كعاملة وام وربة منزل ومشاركتها الاقتصادية في الدخل القومي إلا انه في هذه الحالة تم ربط حقوقها المكتسبة بحالتها الزواجية وهذا ما يتنافى مع مبدا المساواة بين الجنسين الذي كفله لها القانون الاساسي الفلسطيني في المادة رقم (9) وفي اتفاقية “سيداو” التي نصت صراحة في المادة رقم (1) على ” لأغراض هذه الاتفاقية يعنى مصطلح “التمييز ضد المرأة” أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه، توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجية” وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل.

خامس عشر: وقف راتب الوفاة الطبيعية

ما هو المبرر القانوني والمنطقي في حرمان المرأة الموظفة من ميراثها براتب زوجها!؟ وإذا كان القانون منحها الحق أن ترث، رغم أن هناك من يحرمها حتى من هذا الحق، فلماذا نضيف إذاً حرمانها من ارث زوجها في راتبه التقاعدي عند الوفاة؟. حيث تناولت المادة رقم 90 هذه القضية واشترطت وقف صرف راتب الوفاة الطبيعية لأي من الورثة المستحقين في حال التحاقه بعلاقة عمل منتظمة، وهذا من الممكن أن يؤدي إلى عزوف النساء عن الالتحاق بعمل منتظم من اجل استمرار الاستفادة من راتب الوفاة.
ورغم أنه تم تعديل هذا النص في القانون الاردني بأن للمرأة الحق بالجمع بين راتبها وحصتها من راتب زوجها المتوفى وأشارت إدارة الاعلام بمؤسسة الضمان الاجتماعي أن هذا التعديل يأتي في إطار تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل باستحقاقها كامل حصتها من راتب زوجها المتوفى دون أن يكون لدخلها من العمل أي تأثير على استحقاقها لهذه الحصة ومراعاة لظروفها المعيشية والأسرية وهو ما يعتبر نقلة نوعية في مجال توفير الحماية الاقتصادية والاجتماعية للمرأة العاملة يضاهي ما تقدمه التشريعات العالمية.

سادس عشر: حق الانتساب الاختياري: مساهمات حكومية تعزز هذا الحق

منح قانون الضمان الاجتماعي الاشخاص العاملين لحسابهم من الالتحاق بقانون الضمان الاجتماعي شريطة أن يغطوا المساهمات الخاصة بهم وبأصحاب العمل ونظراً لطبيعة الاقتصاد الفلسطيني ذي الطابع غير المهيكل فإن الكثير من العاملين في القطاعات غير المهيكلة لن يتمكنوا بحكم واقع عملهم من الانضمام إلى القانون، كان بإمكان الحكومة المساهمة بنسبة قليلة من الاشتراكات المطلوبة من هؤلاء العاملين لتشجيع عاملين في قطاعات معينة من الانضمام. ويمكن للحكومة توفير هذه الموازنات عبر توسيع الوعاء الضريبي، حيث أن قطاعات اقتصادية مهمة لا تدفع نصيبها من الضرائب مثل المحامين، الاطباء، المهندسين، المحال التجارية والمطاعم…الخ ويمكن للحكومة التدرج في المساهمات مع تحقيق نجاحات في الحد من التهرب الضريبي. وبالتالي سيخفف هذا من الضغط مستقبلاً على وزارة الشؤن الاجتماعية. التي تدفع مساعدات اجتماعية لأكثر من 100 ألف أسرة محتاجة.

سابع عشر: الأشخاص ذوي الإعاقة:

لم يكن هناك ذكر ولا تميز ايجابي للأشخاص ذوي الاعاقة في القانون، لذا ترى الحملة ضرورة وجود تميز ايجابي من ناحية الاشتراكات وتخفيض سنوات استحقاق الراتب التقاعدي. علماً أن نسبة ال 5% كحد أدنى لتوظيف ذوي الاعاقة ما زالت غير مطبقة وبالتالي فان عدد الاشخاص من ذوي الإعاقة الذين سوف يستفيدون من الضمان الاجتماعي هو حدد محدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *