عالم أكثر عدلاً، يحتاج إلى مزيد من النضال

يصادف اليوم العاشر من كانون الأول، اليوم العالمي لحقوق الانسان، متزامناً مع ارتفاع في حدة اللامساواة وازدياد نسبة الفقراء والعاطلين عن العمل، والفئات المهمشة التي ازداد استغلالها مع سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في العديد من دول العالم خلال جائحة كورونا. لعل الربط ما بين النهج المبني على حقوق الانسان ومساعي التنمية حول العالم نابع من كون التنمية كمصطلح يستخدم عادة في سياق الحديث عن الوصول إلى الاحتياجات الأساسية كالتعليم والخدمات الصحية، والطعام، وغيرها. إلا أن الحديث عن أهداف التنمية المستدامة وحقوق الانسان، خاصة في الدول محدودة الدخل وغير المتقدمة اقتصادياً، لا يمكن فصله عن مجموعة كبيرة من المفاهيم التي تكشف بدورها عن علاقات الهيمنة والاستغلال التي تشرعنها تفسيرات معينة للتنمية، على سبيل المثال حصرها في مجموعة من المؤشرات التي لا تعكس الواقع بالضرورة. وذلك يتطلب منا فهماً أعمق لطبيعة التحديات وبنية النظام العالمي، والآلية التي يتم فيها ترجمة مفهوم التنمية.

من المهم أن ندرك أنّ مفهوم التنمية ومؤشراتها ليس مفهوماً محايداً، بل هو مفهوم يحمل حمولة أيدولوجية من خلال تبني التنمية كمفهوم غربي، يرتبط بمجموعة من المؤشرات كالمساواة وحقوق الإنسان والأمن والسلم الأهلي، ويرتكز على تحليل كمي لا يعكس الواقع بل يلعب دوراً في بعض الأحيان على تكريسه. وتعمل المؤسسات المحلية على تبني هذا المفهوم وتمريره إلى المجتمع على شكل سياسات وتدخلات لا يمكن تحقيقها لوجود عوائق بنيوية يفرضها تبني مفهوم التنمية بالصورة التي تمت الإشارة لها، مثل سياسات الحد من البطالة، وتقليل معدلات الفقر.

إن العجز عن تحقيق التنمية بمفهومها المستدام والمحلي يرتبط بشكل أساسي بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية العاجزة عن تحقيق التنمية وتقليص فجوات اللامساواة، حيث تعتمد معظم الدول النامية سياسات تقضي بتقليص دور الدولة والحد من الانفاق العام، وفتح الباب على مصراعيه أمام آليات اقتصاد السوق الحرة، وتعزيز دور القطاع الخاص لزيادة معدلات النمو الاقتصادي، هذا بالإضافة إلى تبني سياسات ضريبية غير عادلة، تنحاز إلى رؤوس الأموال، حيث تقوم على تقليص الضرائب المباشرة على الدخل لصالح الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة.

على سبيل المثال تبلغ نسب البطالة في دول شمال افريقيا 29% وترتفع لتصل إلى حوالي 31% في بلدان عربية أخرى، مقابل معدلات لا تتجاوز 13% حول العالم، كما تبلغ معدلات مشاركة النساء في اليد العاملة في المنطقة العربية حوالي نصف المتوسط العالمي. هذا بالإضافة إلى أن هناك بعض الدول العربية مثل موريتانيا واليمن لا تزال فيها نسب الأمية مرتفعة، حيث تبلغ نسبة الأمية في موريتانيا 42% وفي اليمن 36% ويقابل ذلك بتراجع إنفاق الحكومات على التعليم بنسبة 17.6%  في البلدان العربية.

أمّا على المستوى الوطني، فإن مفهوم التنمية في السياق الفلسطيني ومجمل السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها السلطة الفلسطينية، لا يمكن فصلها عن السياق الاستعماري الذي تعمل ضمنه، إلا أن مفهوم التنمية بصورته الحالية وغالبية السياسات التي تطبقها الحكومة الفلسطينية، تفصل ما بين الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وعليه فقد أصبحت هذه السياسات غير قادرة على تغيير الواقع أو أنها بشكلها الحالي لا تملك القدرة على تغييره. وينعكس ذلك على المعدلات المرتفعة التي تسجلها فلسطين فيما يتعلق بالفقر والبطالة، حيث بلغ معدل البطالة بين المشاركين في القوى العاملة (15 عام فأكثر) حوالي 26%  في الربع الثاني من عام 2021، فيما ترتفع هذه النسبة في قطاع غزة لتصل إلى 45%. بينما وصلت نسبة الفقر في فلسطين إلى 30%

إنّ هذه الرؤية التنموية التي يفرضها السياق العالمي، لا تتوقف عند الفصل ما بين السياسي والاقتصادي والتنموي، بل إنها تتجاوزه لتعمل على تفكيك القضايا والشرائح المجتمعية، لتحولها إلى أجندات وأهداف ومؤشرات، والتي بدورها تؤثر على تصورات المجتمع حول خيارات التحرر الوطني وتفرغ الأخير من محتواه.

ويقترن الحديث عن التنمية ومؤشراتها بالحديث عن الشروط السياسية للتمويل، الذي يرتبط بشكل أساسي بمسار تاريخي لعملية التمويل الذي ارتبط على الدوام بمصالح الدول وسياساتها الخارجية، وليس أدل على ذلك الشروط التي فرضها الاتحاد الأوروبي مؤخراً على المنظمات الأهلية تحت شعار “نبذ الإرهاب”.

إن مفهوم التنمية تحت شرط استعماري أو حالة من التبعية لا بد أن يرتبط بمشروع تحرر وطني يبنى على فكرة فك التبعية الاقتصادية وتطوير اقتصادي محلي ثابت وقادر على تحقيق اكتفاء، بالإضافة إلى وجود حاجة ملحة لتوطين السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وارجاع ملكيتها لأصحابها من الفئات المهمشة والعائلات الفقيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *